السيد الطباطبائي
67
بداية الحكمة
يرتفع الوجوب ، ولم تحصل الحاجة إلى العلة ( 1 ) . برهان آخر : إن الماهية لا توجد إلا عن إيجاد من العلة ، وإيجاد العلة لها متوقف على وجوب الماهية المتوقف على إيجاب العلة ، وقد تبين مما تقدم أن إيجاب العلة متوقف على حاجة الماهية إليها ، وحاجة الماهية إليها متوقفة على إمكانها ، إذ لو لم تمكن - بأن وجبت أو امتنعت - استغنت عن العلة بالضرورة ، فلحاجتها توقف ما على الإمكان بالضرورة ، ولو توقفت مع ذلك على حدوثها - وهو وجودها بعد العدم - ، سواء كان الحدوث علة والإمكان شرطا أو عدمه مانعا أو كان الحدوث جزء علة والجزء الآخر هو الإمكان أو كان الحدوث شرطا أو عدمه الواقع في مرتبته مانعا ، فعلى أي حال يلزم تقدم الشئ على نفسه بمراتب ، وكذا لو كان وجوبها أو إيجاب العلة لها هو علة الحاجة بوجه . فلم يبق إلا أن يكون الإمكان وحده علة للحاجة ، إذ ليس في هذه السلسلة المتصلة المترتبة عقلا قبل الحاجة إلا الماهية وإمكانها . وبذلك يندفع ما احتج به بعض القائلين بأن علة الحاجة إلى العلة هو الحدوث دون الإمكان ( 2 ) ، من أنه لو كان الإمكان هو العلة دون الحدوث جاز أن يوجد القديم الزماني ، وهو الذي لا أول لوجوده ولا آخر له ، ومعلوم أن فرض دوام وجوده يغنيه عن العلة ، إذ لا سبيل للعدم إليه حتى يحتاج إلى ارتفاعه . وجه الاندفاع : أن المفروض أن ذاته هي المنشأ لحاجته ، والذات محفوظة مع
--> ( 1 ) راجع شرح المنظومة : 72 . ( 2 ) مراده من " بعض القائلين " جمع من المتكلمين كما صرح به في نهاية الحكمة : 79 . ونسبه إليهم العلامة التفتازاني في شرح المقاصد 1 : 127 . ونسبه الشيخ الرئيس إلى ضعفاء المتكلمين في النجاة : 213 . ونسبه المحقق اللاهيجي إلى قدماء المتكلمين في شوارق الإلهام 1 : 89 - 90 ، وكذا العلامة في أنوار الملكوت : 58 . ونسبه صدر المتألهين إلى قوم من المتسمين بأهل النظر وأولياء التميز في الأسفار 1 : 206 . ونسبه ابن ميثم إلى أبي هاشم من المتكلمين في قواعد المرام : 48 . فالقائل به جمع من قدماء المتكلمين ، وأما المتأخرون منهم فذهبوا إلى خلاف ذلك .